المقريزي

391

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وهذا أعزك اللّه من خبرهم لما كان الملك فيهم ، فلما استولت العماليق على ملك مصر وملكتها الفراعنة ، ثم تداولتها من بعدهم أجناس أخر ، تناقصت علوم القبط شيئا بعد شيء إلى أن تنصروا ، فغادروا عوائد أهل الشرك ، واتبعوا ما أمروا به من دين النصرانية ، كما ستقف عليه تلو هذا إن شاء اللّه تعالى . ذكر دخول قبط مصر في دين النصرانية اعلم أن النصارى اتباع عيسى نبيّ اللّه ابن مريم عليه السلام ، سموا نصارى ، لأنهم ينتسبون إلى قرية الناصرة من جبل الجليل ، بالجيم ، ويعرف هذا الجبل بجبل كنعان ، وهو الآن في زمننا من جملة معاملة صفد ، والأصل في تسميتهم نصارى : أنّ عيسى ابن مريم عليه السلام لما ولدته أمّه مريم ابنة عمران ببيت لحم خارج مدينة بيت المقدس ، ثم سارت به إلى أرض مصر وسكنتها زمانا ، ثم عادت به إلى أرض بني إسرائيل قومها ، نزلت قرية الناصرة ، فنشأ عيسى بها وقيل له يسوع الناصريّ ، فلما بعثه اللّه تعالى رسولا إلى بني إسرائيل ، وكان من شأنه ما ستراه ، إلى أن رفعه اللّه إليه ، تفرّق الحواريون ، وهم الذين آمنوا به ، في أقطار الأرض يدعون الناس إلى دينه ، فنسبوا إلى ما نسب إليه نبيهم عيسى ابن مريم ، وقيل لهم الناصرية ، ثم تلاعب العرب بهذه الكلمة وقالوا نصارى . قال ابن سيده : ونصرى وناصرة ونصورية : قرية بالشام ، والنصارى منسوبون إليها ، هذا قول أهل اللغة ، وهو ضعيف . إلّا أن نادر النسب يسيغه ، وأما سيبويه فقال : أما النصارى فذهب الخليل إلى أنه جمع نصري ونصران ، كما قالوا ندمان وندامى ولكنهم حذفوا إحدى اليائين كما حذفوا من أثقية وأبدلوا مكانها ألفا . قال : وأما الذي نوجهه نحن عليه فإنه جاء على نصران ، لأنه قد تكلم به ، فكأنك جمعت وقلت نصارى كما قلت ندامى ، فهذا أقيس ، والأوّل مذهب ، وإنما كان أقيس لأنا لم نسمعهم قالوا نصرى ، والتنصر الدخول في دين النصرانية ، ونصره جعله كذلك ، والأنصر الأقلف ، وهو من ذلك ، لأنّ النصارى قلف ، وفي شرح الإنجيل أن معنى قرية ناصرة الجديدة ، والنصرانية التجدّد ، والنصرانيّ المجدّد ، وقيل نسبوا إلى نصران ، وهو من أبنية المبالغة ، ومعناه أن هذا الدين في غير عصابة صاحبه ، فهو دين من ينصره من أتباعه . وإذا تقرّر هذا فاعلم « أنّ المسيح روح اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم » « 1 » ( عيسى ) وأصل اسمه بالعبرانية التي هي لغة أمّه وآبائها إنما هو ياشوع ، وسمته النصارى يسوع ، وسماه اللّه تعالى وهو أصدق القائلين عيسى ، ومعنى يسوع في اللغة السريانية المخلّص ، قاله في شرح الإنجيل ، ونعته بالمسيح ، وهو الصدّيق ، وقيل لأنه كان لا يمسح بيده صاحب عاهة إلّا برأ ، وقيل لأنه كان يمسح رؤوس اليتامى ، وقيل

--> ( 1 ) مأخوذة من الآية 157 من سورة النساء .